إنها تجربة مر بها معظم السائقين: تقود سيارتك بثقة على طريق سريع، كل شيء يبدو هادئًا وسلسًا، وبمجرد أن يتجاوز مؤشر السرعة حاجز الـ 80 أو الـ 100 كيلومتر في الساعة، يبدأ كل شيء في الاهتزاز. تشعر برجة مزعجة في عجلة القيادة (الدركسيون)، وفي أرضية السيارة، وأحيانًا في جسم السيارة بالكامل. الغريب في الأمر أن هذه الرجة قد تختفي إذا قمت بزيادة سرعتك أكثر أو إبطائها.

هذه الظاهرة، المعروفة بـ “رجة السيارة على سرعة عالية”، ليست مجرد إزعاج، بل هي مؤشر واضح على وجود خلل في الأجزاء المسؤولة عن دوران العجلات وتوازنها. تجاهل هذه المشكلة لا يؤثر فقط على راحة القيادة، بل يمكن أن يؤدي إلى تآكل سريع وغير متساوٍ للإطارات وأجزاء نظام التعليق، وفي الحالات القصوى، قد يؤثر على ثبات السيارة وسلامتك.

في هذا الدليل الشامل من موقع أعطال.كوم، سنقوم بتحليل هذه المشكلة بدقة، ونستعرض جميع الأسباب المحتملة بالترتيب من الأكثر شيوعًا إلى الأقل، ونقدم لك خطوات عملية لتشخيص المشكلة بنفسك، مع فقرة “تجربتي” التي ستوضح لك كيف يمكن لحل بسيط أن يعيد لسيارتك هدوءها وثباتها على الطريق.


رجة في السيارة على سرعة 80 (أو 100 أو 120)

لماذا تحدث الرجة عند سرعة معينة فقط؟

 

السبب في ظهور الاهتزاز عند سرعات محددة (مثل 80-120 كم/س) يكمن في ظاهرة فيزيائية تسمى “الرنين التوافقي” (Harmonic Resonance). ببساطة، عند هذه السرعات، يصل معدل دوران العجلات إلى تردد معين يتوافق مع تردد اهتزاز الجزء الذي به خلل (مثل إطار غير متزن)، مما يؤدي إلى تضخيم هذا الاهتزاز وشعورك به بشكل واضح. عند سرعات أقل أو أعلى، يختلف تردد الدوران، وبالتالي لا يحدث هذا التضخيم وتختفي الرجة أو تقل حدتها.


 

الأسباب الأكثر شيوعًا للرجة على السرعات العالية (بالترتيب)

 

 

1. عدم اتزان الإطارات (ترصيص الإطارات) – المشتبه به الأول بنسبة 90%

 

هذا هو السبب الأكثر شيوعًا على الإطلاق لهذه المشكلة.

  • ما هو ترصيص الإطارات؟ لا يوجد إطار أو جنط مثالي 100%. دائمًا ما توجد نقاط أثقل قليلاً من نقاط أخرى في محيط الإطار. وظيفة “الترصيص” هي موازنة هذا الوزن عن طريق إضافة أوزان رصاص صغيرة في نقاط محددة على الجنط. عندما يكون التوزيع مثاليًا، يدور الإطار بسلاسة تامة بدون أي اهتزاز.
  • لماذا يختل الترصيص؟ مع الاستخدام العادي، السير في طرق غير ممهدة، أو الوقوع في حفرة، قد يسقط أحد أوزان الترصيص القديمة، أو قد يتغير توزيع الوزن في الإطار نفسه بسبب التآكل.
  • كيفية التشخيص:
    • رجة في عجلة القيادة (الدركسيون): إذا كانت الرجة محسوسة بشكل أساسي في عجلة القيادة، فالمشكلة غالبًا تكون في الإطارات الأمامية.
    • رجة في جسم السيارة والمقاعد: إذا كانت الرجة محسوسة في أرضية السيارة وجسمها بالكامل، فالمشكلة غالبًا تكون في الإطارات الخلفية.
  • الحل: التوجه إلى أقرب مركز إطارات متخصص وطلب “ترصيص” للعجلات الأربع. هي عملية بسيطة ورخيصة يتم فيها فك العجلات ووضعها على جهاز إلكتروني يحدد مكان ووزن الرصاص المطلوب إضافته.

 

2. اعوجاج في الجنط أو تلف في الإطار (“البالونة”)

 

إذا لم يحل الترصيص المشكلة، فالخطوة التالية هي فحص حالة الجنوط والإطارات نفسها.

  • السبب: الوقوع في حفرة قوية أو الاصطدام برصيف يمكن أن يسبب اعوجاجًا (عوجة) بسيطة في الجنط، أو تلفًا في بنية الإطار الداخلية يظهر على شكل انتفاخ جانبي (“بيضة” أو “بالونة”) في الكاوتش. هذه العيوب تمنع الإطار من الدوران بشكل دائري مثالي، مما يسبب اهتزازًا قويًا على السرعات العالية.
  • الحل: يجب فحص الجنوط على جهاز الترصيص، حيث يمكن للفني رؤية أي اعوجاج. الجنوط الحديد يمكن إصلاحها غالبًا، بينما الجنوط الألومنيوم (السبور) قد تحتاج إلى استبدال إذا كان الاعوجاج قويًا. أما الإطار الذي به “بالونة”، فيجب استبداله فورًا لأنه معرض للانفجار في أي لحظة.

 

3. مشاكل في ضبط زوايا العجل (Wheel Alignment)

 

  • السبب: ضبط الزوايا يضمن أن تكون جميع العجلات متوازية مع بعضها البعض وعمودية على الطريق. إذا كانت الزوايا غير مضبوطة، قد يسبب ذلك اهتزازًا خفيفًا، ولكن الأهم أنه سيؤدي إلى تآكل الإطارات بشكل غير متساوٍ وسريع (“مسح الكاوتش”).
  • الحل: القيام بعملية ضبط زوايا للعجلات الأربع في مركز متخصص.

 

4. تلف الكوبلن الداخلي (Inner CV Joint)

 

بينما يسبب الكوبلن الخارجي صوت “طقطقة” عند الملفات، فإن الكوبلن الداخلي (المتصل بالفتيس) عندما يتلف يسبب رجة واهتزازًا في السيارة بأكملها عند التسارع.

  • كيفية التشخيص: الرجة المرتبطة بالكوبلن الداخلي تظهر وتزيد بشكل واضح أثناء الضغط على دواسة البنزين للتسارع، وتختفي أو تقل بشكل كبير بمجرد رفع قدمك عن الدواسة حتى لو بقيت على نفس السرعة.
  • الحل: يتطلب فحصًا دقيقًا من ميكانيكي متخصص، وإذا تم التأكد من تلفه، فيجب استبداله.

 

5. مشاكل في عمود الكردان (للسيارات الدفع الخلفي أو الرباعي)

 

  • السبب: في السيارات التي تعمل بالدفع الخلفي أو الرباعي، يقوم عمود الكردان بنقل الحركة من الفتيس إلى العجلات الخلفية. إذا حدث به أي اعوجاج، أو تلف في صلايب الكردان، أو اختل اتزانه (نعم، عمود الكردان يحتاج إلى ترصيص أيضًا)، فسيؤدي ذلك إلى رجة عنيفة في جسم السيارة بالكامل على السرعات العالية.
  • الحل: يتطلب فحصًا وإصلاحًا لدى ورشة متخصصة في أعمدة الكردان.

 

تجربتي: الرجة التي اختفت بحل بسيط

 

منذ فترة، وبعد تغيير إطارين جديدين في سيارتي، لاحظت ظهور رجة مزعجة في الدركسيون بمجرد أن تصل سرعتي إلى 100 كم/س. الأمر كان غريبًا لأنني قمت بترصيص الإطارات الجديدة عند تركيبها. عدت إلى مركز الإطارات مرة أخرى، وقاموا بإعادة الترصيص، لكن المشكلة استمرت كما هي.

بدأت أشك في مشاكل أكبر وأكثر تكلفة مثل الكبالن أو علبة الدركسيون. قبل أن أذهب إلى ميكانيكي، قررت تجربة مركز إطارات آخر له سمعة جيدة. شرحت للفني المشكلة بالتفصيل. أول شيء فعله كان فحص الإطارات بعناية، ثم وضعها على جهاز الترصيص.

بعد لحظات، ناداني وأشار إلى الجهاز وقال: “المشكلة ليست في الترصيص، المشكلة أن الإطارات الجديدة التي ركبتها بها عيب صناعة بسيط يجعلها غير مستديرة تمامًا (ما يسمى بـ ‘Radial Runout’)”. أوضح لي أن جهاز الترصيص يمكنه موازنة الوزن، لكنه لا يمكنه إصلاح الشكل غير الدائري للإطار. وأفضل حل هو نقل الإطارين الجديدين من الأمام إلى الخلف، وتركيب الإطارين القديمين (ولكن حالتهما جيدة) في الأمام.

وبالفعل، قام بتبديل أماكن الإطارات (عمل “كروس”)، ثم قام بترصيص الأربع عجلات مرة أخرى. خرجت لأجرب السيارة على الطريق السريع، والمفاجأة كانت أن الرجة قد اختفت تمامًا! لم يعد هناك أي اهتزاز في الدركسيون على أي سرعة. لقد كانت الرجة تأتي من الإطارات المعيوبة في الأمام وتنتقل مباشرة إلى نظام التوجيه، وعندما تم نقلها للخلف، لم يعد تأثيرها محسوسًا في الدركسيون. لقد أنقذني هذا الفني بخبرته من دوامة الشك في مشاكل ميكانيكية كبيرة.


 

الخلاصة

 

إذا واجهت مشكلة الرجة على سرعة 80 أو أعلى، لا تنزعج. في 9 من كل 10 حالات، يكون الحل بسيطًا وغير مكلف. اتبع التسلسل المنطقي في التشخيص: ابدأ بترصيص الإطارات، ثم افحص سلامة الجنوط والإطارات نفسها، ثم تحقق من ضبط الزوايا. إذا استمرت المشكلة، يمكنك وقتها البدء في التفكير في الأسباب الميكانيكية الأكثر تعقيدًا.